نفط روسيا يضع أوروبا في مأزق سياسي واقتصادي

دخل ملف النفط الروسي مرحلة جديدة من التوتر خلال الساعات الماضية، بعدما تحولت الإعفاءات الأمريكية الخاصة باستيراد الخام الروسي إلى نقطة خلاف متصاعدة بين الولايات المتحدة وأوروبا و أوكرانيا.
يأتي ذلك بالتزامن مع استمرار التقلبات الحادة في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع المخاوف المرتبطة بالإمدادات والأسعار، حيث بدأت الأزمة مع انتهاء الإعفاء الأمريكي الخاص بشراء النفط الروسي العالق في البحر، فجر 16 مايو/ أيار، دون إعلان فوري بشأن تجديده.
وكان الإعفاء قد صدر للمرة الأولى، في مارس/ آذار الماضي، عقب اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قبل تمديده في أبريل حتى منتصف مايو/ أيار الجاري.
تغير سريع
لكن المشهد تغير سربعًا، عندما أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تمديد الإعفاء مجددًا، لمدة 30 يومًا إضافية، حتى 17 يونيو/ حزيران، موضحًا أن القرار يستهدف منح الدول الأكثر هشاشة فرصة مؤقتة للوصول إلى شحنات النفط الروسي الموجودة بالفعل في البحر.
وتزامن القرار الأمريكي مع استمرار تقلبات أسعار النفط العالمية، حيث ارتفع خام برنت خلال التداولات إلى نحو 111 دولارًا للبرميل، رغم إعلان التمديد الأمريكي.
وفي موسكو، لم يصدر تعليق مباشر على قرار التمديد الأخير، غير أن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف سبق أن وصف الإعفاءات الأمريكية بأنها مرتبطة باستقرار أسواق الطاقة العالمية.
وأكد المسؤول الروسي أن موسكو تظل لاعباً رئيسياً في قطاع الطاقة العالمي، وأن تجاهل حجم الصادرات الروسية في السوق الدولية أمر بالغ الصعوبة، على حد قوله.
اعتراض أوروبي
في المقابل، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كل دولار يُدفع مقابل النفط الروسي يتحول إلى تمويل مباشر للحرب، وأن صادرات الطاقة الروسية لا تزال تمثل مورد رئيسي لموسكو.
وطالب وزير المالية الأوكراني سيرهي مارتشينكو، خلال اجتماعات مجموعة السبع في باريس، بفرض عقوبات إضافية وتشديد الضغوط الاقتصادية على روسيا.
في ذات السياق، انتقد فالديس دومبروفسكيس، مفوض الاقتصاد الأوروبي، تخفيف القيود المفروضة على النفط الروسي، مؤكداً أن الوقت الحالي لا يحتمل تقليص الضغوط الاقتصادية على موسكو.
ووصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس القرار الأمريكي بأنه “غير صحيح”، مشيرًا إلى أن هناك دول عدة داخل “مجموعة السبع” كانت تفضل استمرار القيود دون تخفيف.
وفي تطور متصل، أعلنت بريطانيا السماح باستيراد وقود الديزل ووقود الطائرات المُكرر في دول ثالثة باستخدام النفط الروسي، وهو ما أثار انتقادات سياسية داخلية رغم تأكيد لندن استمرار العقوبات البريطانية على موسكو.
ومع استمرار تمديد الإعفاءات الأمريكية، واعتراضات أوروبا وأوكرانيا، وتقلب أسعار النفط العالمية، تتجه أزمة الطاقة والعقوبات الروسية إلى مرحلة جديدة تضع أوروبا بين ضغوط الإمدادات وتقلبات الأسعار من جهة، واستمرار المواجهة الاقتصادية مع موسكو من جهة أخرى.
مرحلة معقدة
وقال المحلل السياسي مصطفى الخفاجي، لـ “إرم نيوز”، إن أوروبا تواجه مرحلة شديدة التعقيد في ملف الطاقة، بالتزامن مع التحركات الأمريكية الأخيرة المرتبطة بوقف استمرار استيراد النفط الروسي.
وأضاف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح تراخيص واستثناءات لعدد من الدول الأوروبية والآسيوية لاستيراد النفط الروسي، إلا أن الإدارة الأمريكية تتجه لشديد الضغوط على موسكو بإنهاء هذه المسارات وتقليص قدرة دول أوروبا على مواصلة الاعتماد على النفط الروسي.
وذكر أن روسيا نجحت في الفترة الماضية في تعويض جزء كبير من خسائرها الاقتصادية والعسكرية، مستفيدة من الاضطرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على أسواق الطاقة وخطوط الإمداد العالمية، وهو ما ساعد على استمرار تدفق النفط الروسي إلى الأسواق الأوروبية وتحقيق عائدات مالية كبيرة.
وأوضح أن أوروبا تجد نفسها اليوم أمام أزمة حقيقية، في ظل صعوبة تعويض النفط الروسي من مصادر بديلة، خاصة مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وتعقيدات حركة الطاقة والنقل البحري.
وبيّن أن البدائل المتاحة ليست سهلة التطبيق، سواء فيما يتعلق بالنفط الفنزويلي الخاضع للتأثير الأمريكي، أو النفط الأمريكي الذي يواجه عقبات مرتبطة بالمسافة وطبيعة المصافي الأوروبية المصممة أساساً للتعامل مع الخام الروسي.
ولفت إلى أن ترامب يواجه في الوقت نفسه تحديين متوازيين، الأول داخلي يرتبط بارتفاع أسعار النفط والبنزين وتأثير ذلك على الوضع الاقتصادي الأمريكي، والثاني خارجي يتعلق بمحاولة الضغط على موسكو وتحقيق مكاسب سياسية قبل الانتخابات النصفية المقبلة.
وحذر الخفاجي من أن تشديد هذه السياسات قد يدفع أوروبا إلى أزمة طاقة واسعة ويترك انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط.
تكتيكات جديدة
من جهته، أكد إبراهيم كابان مدير “شبكة الجيوستراتيجي للدراسات”، أن إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية يحتاج إلى استراتيجيات وتكتيكات جديدة، مشيراً إلى أن دونالد ترامب لن يذهب بعيدًا في أي تفاهمات مع موسكو على حساب أوروبا.
وقال كابان لـ “إرم نيوز” إن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطاً داخلية من الكونغرس والبنتاغون للحفاظ على الشراكة مع أوروبا وعدم الإضرار بمصالحها، لافتاً إلى أن واشنطن قد تلجأ خلال المرحلة المقبلة إلى استخدام ملف النفط والطاقة كورقة ضغط إضافية على روسيا.
وأضاف أن أوروبا تمكنت خلال الفترة الماضية من تحمل تداعيات تقليص العلاقات الغازية مع موسكو، عبر الاتجاه إلى بدائل أخرى شملت التعاون مع دول الشرق الأوسط وزيادة الاعتماد على النفط الأمريكي ومصادر الطاقة البديلة.
واعتبر أن هذه التحولات أثرت بصورة واضحة على المبيعات الروسية وقد تنعكس مستقبلاً على القدرات العسكرية الروسية المستخدمة في الحرب الأوكرانية، مشيراً إلى أن أمريكا تسعى لتنسيق الضغوط مع الاتحاد الأوروبي بهدف الوصول إلى تسوية للأزمة.
وأكد أن إدارة ترامب مطالبة بممارسة الضغوط على جميع الأطراف وليس على أوروبا فقط، لأن استمرار الضغط على الحلفاء الأوروبيين بالتزامن مع منح موسكو مساحة أوسع للتحرك لن يكون مقبولاً داخل المؤسسات الأمريكية.
وختم كابان بالتأكيد على أن واشنطن تنظر إلى ملفات الطاقة والعقوبات باعتبارها أدوات ضغط سياسية تستخدمها في إطار المواجهة مع روسيا.




